خطبة: موعظة للعقلاء في فصل الشتاء للشيخ عبيد الطوياوي

عرض المقال
خطبة: موعظة للعقلاء في فصل الشتاء للشيخ عبيد الطوياوي
3807 زائر
01-01-1970 01:00


موعظة للعقلاء في فصل الشتاء

الحمد لله مغير الأحوال ، المتفرد بالبهاء والجلال ، المتحكم بالآجال ، كريم لا يبخل ، وحليم لا يعجل ، الحكم حكمه ، والأمر أمره ، والملك ملكه ، يسبح له بالغدو والآصال .

وأشهد أن لا إله إلا هو الكبير المتعال ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى الصحب والآل .

أما بعد ، معشر المسلمين :

أوصيكم بوصية ربكم لكم ، تقوى الله U ، فهو القائل : } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ { فاتقوى الله ـ عباد الله ـ } وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً { . } وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً { . } وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً {.جعلني الله وإياكم من عباده المتقين .

أيها الأخوة المؤمنون :

في هذه الأيام ، نعيش بداية فصل الشتاء ، حيث التغير الواضح في درجات الحراره ، فقد كنا قبل أيام ، نعاني من شدة حرارة الجو ، ونبحث عن البرودة مستخدمين شتى الوسائل والسبل ، وها نحن في هذه الأيام ، نعاني من برودة الجو ، فسبحان من غير الحرارة إلى برودة ، والصيف إلى شتاء !

إن هذا التغيير والإنتقال ـ أيها الأخوة ـ فيه دليل على أن لهذا الكون مدبر ومتصرف . مدبر يدبر شؤونه ، ومتصرف يتصرف به ، وهو الله جل جلاله ، يقول سبحانه وتعالى : } إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ { .

فالعاقل ـ أيها الأخوة ـ يتأمل في هذه السنة من سنن الله U ، فتكون له موعظة وعبرة ، ويتذكر عظمة الله سبحانه ، فالبرد الذي كنا نتلذذ به قبل أيام ، هاهو نعد له العدة في فصل الشتاء ، ففي حلوله عبرة وموعظة ، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ : (( اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعضاً، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ. فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ)) والحديث رواه البخاري ـ يعني حديث صحيح .

فهذه فائدة من فوائد هذا البرد ، لكي نتذكر تلك النار ، نتذكرها ونحن نحس بنفس من أنفاسها ، فإذا كان هذا النفس فكيف بالله عليكم بما وراءه ، نعوذ بالله من النار .

ايها الأخوة :

إن بعض الناس ، ينزعج من برد الشتاء ، كما يتضايق من حر الصيف ، ولا شك أن للشتاء وللصيف حكم ومصالح ينبغي للعاقل أن لا يغفل عنها ، ففي الشتاء أشياء لا يمكن أن توجد في فصل الصيف ، وفي الصيف أشياء لا يمكن أن توجد في فصل الشتاء ، فلوكان الوقت صيفا لفاتت مصالح الشتاء ، ولوكان الوقت شتاء لفاتت مصالح الصيف .

ايها الأخوة :

إن هذا الشتاء ببرودته ، الذي يتضجر منه كثير منا ، كان السلف رحمهم الله ، يفرحون به ، ويستبشرون بحلوله ، نعم أيها الأخوة ، كان السلف يفرحون بالشتاء غير مبالين ببرودته ، وهم لا يجدون ما يدفعون به لسعت برده ، ونحن أو بعضنا يتضجر ويتأفف منه ، وعنده جميع سبل الوقاية منه ، وإن أعجبه شئ فيه ، فلا هناك غير النوم ، حيث طول الليل ، فلا يعجبه في الشتاء إلا طول الليل ، لينام الساعات الطوال فيه ، أو ليحصل على قدر كبير من السهر ليروح عن نفسه المريضة .

فإن كان هذا الشتاء ، أو ما يجعلنا نحب الشتاء ، فلنتأمل لماذا السلف الصالح يفرحون بالشتاء .

أخرج الإمام أحمد في حديثٍ حسنٍ عن أبي سعيد الخدري tعن النبي e أنه قال: (( الشتاء ربيع المؤمن )) أخرجه البيهقي، وزاد فيه: (( طال ليله فقامه وقصر نهاره فصامه )) هذا هو الشتاء ، ربيع المؤمن ، ليس لطول السهر أو لكثرة النوم ، إنما للقيام والصيام .

وفي الحديث عن النبي e : (( الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة ))، وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول : ( ألا أدلكم على الغنيمة الباردة ) قالوا : بلى , فيقول : ( الصيام في الشتاء وقيام ليل الشتاء ) .

وروي عن ابن مسعود t قال : ( مرحبا بالشتاء تنزل فيه البركة , ويطول فيه الليل للقيام ويقصر فيه النهار للصيام ) ، وعن الحسن قال : " ونعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه ونهاره قصير يصومه " .

قال ابن رجب رحمه الله : " قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف ولهذا بكى معاذ t عند موته ، وقال : إنما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر".

ايها الأخوة المؤمنون :

ومن فوائد الشتاء ، وهذا البرد الذي نكافحه بنعم الله U ، تذكر أحوال إخواننا من المسلمين ، فإذا كنا نلبس ما نريد ، فإن هناك من المسلمين ، من لا يجد ما يدفئ جسده ، فيذكرنا هذا البرد بواجب عظيم ، أوله : شكر المنعم U على ما ننعم به يقول سبحانه : } وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ { .

ومع شكرنا لله ، نتفقد أحوال إخواننا حولنا ، فيوجد من هو بحاجة بيننا ، يوجد ـ أيها الأخوة ـ من لا يستطيع أن يشتري ملابسا تقي جسده هذا البرد ، ومن نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة .

اللهم أيقضنا من رقدة الغافلين ، وأغثنا بالإيمان والليقين واجعلنا من عبادك الصالحين ، وارحمنا برحتك يا أرحم الراحمين .

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه ، والشكرله على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا .

أيها الأخوة المؤمنون :

ومن الأمور التي ينبغي التذكير بها في هذا البرد ، وفي فصل الشتاء ، ولعلنا نذكرها على سبيل الإختصار ما يأتي :

أولا : المسح على الخفين ، فمن تيسير الله U على عباده ، أن أجاز المسح بدلا من الغسل ، يوما وليلة للمقيم ، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر .

ثانيا : تهاون بعض الناس ، في قضية الوضوء ، ومن المعلوم أن إسباغ الوضوء في البرد ، من كفارات الذنوب والخطايا .

ثالثا : في فصل الشتاء ، تكثر الأمطار بإذن الله تعالى ، ويتهاون الناس بالخروج ، للنزهة والفرجة ، ولا يبالي بعضهم بكثرة السيول ، والتعرض للصواعق ، وهذا لاشك من التفريط وتعريض النفس للخطر .

رابعا : الأطفال والخدم ، يحتاجون لمزيد من الإهتمام ، وكلكم راع وكل مسؤول عن رعيته .

خامسا : وفي فصل الشتاء ، يشعل بعض الناس النار للتدفئة ، وكذلك المدافئ التي تعمل عمل النار ، وقد يكون ذلك سببا من أسباب الإحتراق أو الإختناق ، والنبي e يقول في الحديث : (( إن هذه النار إنما هي عدو لكم فإذا نمتم فاطفئوها عنكم )) وفي رواية (( لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون )) .

اسأل الله U لي ولكم علما نافعا ، وعملا خالصا ، ورزقا واسعا ، وتوبة نصوحا ، إنه سميع مجيب .

اللهم إنا نسألك أن تغفر ذنوبنا ، وأن تنفس كروبنا ، وأن تستر عيوبنا ، وأن تسدد ديوننا ، وترحم موتانا ، وتشفي مرضانا ، وتعافي من ابتليته منا ، برحمتك يا أرحم الراحمين .

اللهم إنا نسألك نصر الإسلام وعز المسلمين ، وذل الشرك والمشركين ، اللهم آمنا في أوطاننا واستعمل علينا خيارنا ، واجعل اللهم ولايتنا في عهد من خافك واتقاك يا رب العالمين .

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .

عباد الله :

} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { .

فاذكرو الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
12-12-2013 06:28 (غير مسجل)

ابو حسان

السلام عليكماسأل الله أن يبارك فيكم وفي موقعكمونسأله سبحانه ان يزيد الشيخ عبيد علما نافعا وعملا متقبلاونستأذنكم بنقل بعض الخطب من هناكتب الله أجركم
[ 1 ]
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 7 = أدخل الكود

RSS

Twitter

Facebook

Youtube

عدد الزوار
انت الزائر :99951
[يتصفح الموقع حالياً [ 59
الاعضاء :0الزوار :59
تفاصيل المتواجدون